قضايا و اراء

41561

‏السنة 124-العدد

2000

سبتمبر

20

‏22 من جمادى الأخرة 1421 هـ

الأربعاء

 

لجان التوفيق في المنازعات
بقلم‏:‏ المستشار د‏.‏ محمود الشربيني
نائب رئيس مجلس الدولة سابقا

 

 

 

ثارت مشكلة كبيرة في القضاء وهي الزيادة الكبيرة في عدد القضايا حتي جاوز عددها مئات الألاف من شتي أنواع القضايا سواء الجنائية أو المدنية أو التجارية أو الإدارية أو الأحوال الشخصية وأصبح القضاة متخمين بالقضايا وترتب علي ذلك تأجيل الفصل في الكثير من القضايا سنوات عديدة ربما زادت عن العشرين عاما في بعض الأحوال حتي أن بعض أصحاب الدعاوي أصابهم الإحباط من أنهم قد لا يحصلون علي حقهم إلا بعد مدة طويلة وربما حلت بهم الوفاة قبل الوصول الي هذا الحق ويرجع هذا التأخير في الفصل في القضايا إلي العديد من الأسباب ليس من بينها تقصير القضاة الذين يبذلون جهودا جبارة لإنجاز مالديهم من القضايا في أسرع وقت ممكن حتي لا تتراكم عليهم القضايا ولا أقول ذلك دفاعا عن القضاة وإنما هي شهادة حق باعتباري زاولت القضاء لسنوات طويلة ومن أسباب تأخر الفصل في القضايا قلة عدد القضاة بالنسبة لكثرة عدد القضايا وحل هذه المشكلة كان يمكن القول أنه يسير وذلك بزيادة عدد القضاه ولكن هذا الحل عسير لأن الأمر يتطلب أعباء مالية كبيرة قد لا يمكن للدولة توفيرها كما أن توفير القضاة يتطلب توافر شروط فيمن يتولي القضاء سواء في ذلك الشروط العلمية أو القانونية أو الأخلاقية وهذا أمر ليس سهلا أضف لذلك ضرورة توفير الكثير من الأماكن لتشغلها المحاكم‏.‏

علي أن أهم أسباب تأخر الفصل في القضايا يرجع إلي الخصوم أنفسهم فقد يستغرق المدعي وقت طويلا لاثبات دعواه بالمستندات والأدلة اللازمة لذلك كما أن المدعي عليه غالبا مايتعمد عمل كل وسيلة لتأخير الفصل في الدعوي باستعمال كل الحيل والثغرات لإطالة أمد النزاع بما في ذلك اللجوء لجميع طرق الطعن ولو كان يعلم أن الحكم الصادر ضده سليم كما أن بعضا ممن لهم دور في الدعاوي قد تطول مدة إنجازهم لمهمتهم كالخبراء وغالبا مايكون للخصوم دور في تعطيل مهمة الخبراء‏.‏
ولذلك أحسن المشرع بإصدار القانون رقم‏(7)‏ لسنة‏2000‏ بإنشاء لجان التوفيق في بعض المنازعات التي تكون الوزارات والأشخاص الاعتبارية العامة طرفا فيها ويعمل به من أول أكتوبر سنة‏2000‏ وذلك لمعالجة تأخير الفصل في القضايا وقد ورد في المذكرة الإيضاحية لهذا القانون أنه‏(‏ في نطاق إهتمام الدولة بتحقيق عدالة ناجزة تصل بها الحقوق الي أصحابها دون الاضطرار إلي ولوج سبيل التقاضي ومايستلزمه في مراحله المختلفة من الأعباء المادية والمعنوية ومايصاحب ذلك في أحيان كثيرة من إساءة استغلال طرفي النزاع من أوجه الدفاع والدفوع وإتخاذها سبيلا للكيد ووسيلة لإطالة أمد الخصومات علي نحو يرهق كاهل القضاة ويلحق الظلم بالمتقاضين مادامت حقوقهم نتيجة تلك الإساءة لا تصل إليهم إلا بعد فوات الأوان‏.‏

وفي إطار حرص الدولة علي أن تأخذ زمام المبادرة في تبسيط إجراءات حصول المتخاصمين بها علي حقوقهم من خلال أداة سهلة وإجراءات مبسطة لا تحفل بالشكل وتلوذ به إلا صونا لضمانات الدفاع بمبادئه الأساسية وبمراعاة إرادة طرفي الخصومة وبدون مساس بحق التقاضي الذي يكفله الدستور في المادة‏(69)‏ منه‏.‏
وإنطلاقا من تلك المعاني وتوفيرا للوقت والجهد علي أطراف المنازعات الناشئة بين الوزارات والأشخاص الإعتبارية العامة وبين العاملين بها وسائر الأفراد والأشخاص الاعتبارية الخاصة ومايتأدي عن ذلك من تخفيف للعبء عن القضاة فقد أعد القانون المشار إليه‏).‏

وقد نص القانون علي أن تنشأ في كل وزارة أو محافظة أو هيئة عامة وغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة لجنة أو أكثر للتوفيق في المنازعات المدنية والتجارية والإدارية التي تنشأ بين هذه الجهات وبين العاملين بها وبين الأفراد‏.‏
وتشكل اللجنة برئاسة أحد أعضاء القضاء أو الهيئات القضائية السابقين من درجة مستشار علي الأقل ممن لا يشغلون وظيفة أو يمارسون مهنة وذلك بعد موافقة المجلس الأعلي للهيئات القضائية‏.‏ ومن ممثل الجهة الإدارية بدرجة مدير عام علي الأقل أو مايعادلها تختاره السلطة المختصة وينضم إلي عضوية اللجنة الطرف الآخر في النزاع سواء كان عاملا بالجهة أو فردا أو من أشخاص القانون الخاص أو من ينوب عنه فإذا تعدد أشخاص هذا الطرف وجب عليهم إختيار نائب واحد عنهم فإذا تعارضت مصالحهم كان لكل منهم ممثل في اللجنة وكانت الاستعانة برجال القضاء السابقين استثمارا لثروة قضائية عريضة في خبراتها عالية الوزن والقدر تأمينا للعدل وصونا للحقوق وعلي أساس ماأشرأبت نفوسهم من قيم الحيدة والموضوعية‏.‏ ويجوز عند الضرورة أن تكون رئاسة اللجنة لأحد رجال القضاء أو أعضاء الهيئات القضائية الحاليين من درجة مستشار علي الأقل‏.‏

وقد إستثني القانون عدة أنواع من المنازعات لا تختص بها هذه اللجان وهي المنازعات التي تكون وزارة الدفاع والانتاج الحربي أو أي من أجهزتيهما طرفا فيها وذلك حفظا للسرية التي تتسم بها الموضوعات المتعلقة بهذه المنازعات وحماية للأمن القومي والمنازعات المتعلقة بالحقوق العينية العقارية وتلك التي تقررها القوانين بأنظمة خاصة أو توجب فضها أو تسويتها أو نظر التظلمات المتعلقة بها عن طريق لجان قضائية أو إدارية أو التي يتفق علي فضها عن طريق هيئات تحكيم وكل ذلك منعا للإزدواجية وتلافيا لإطالة أمد حسم الخصومات كما أن اللجنة تقرر عدم قبول الطلب إذا كان متعلقا بأي من القرارات الإدارية المشار إليها في الفقرة‏(‏ ب‏)‏ من المادة‏(12)‏ من قانون مجلس الدولة رقم‏47‏ لسنة‏1972‏ إلا إذا قدم الطلب للجنة خلال المواعيد المقررة للإلغاء وبعد تقديم التظلم من القرار وإنتظار المواعيد المقررة للبت فيه‏.‏
وحرصا من المشرع علي تشجيع أصحاب الشأن علي اللجوء لهذه اللجان فقد نص علي أن يكون اللجوء لها بغير رسوم تمشيا مع روح التيسير والتخفيف عن كاهل أصحاب الحقوق‏.‏

وأما الإجراءات أمام اللجنة فإنها تتسم بالبساطة حيث يقدم صاحب الشأن طلبه إلي الأمانة المختصة التي تتولي قيد الطلبات علي أن تتضمن البيانات المتعلقة باسم الطالب والطرف الاخر في النزاع وصفة كل منهما وموطنه وموضوع الطلب وأسانيده ويرفق بالطلب مذكرة شارحة وحافظة لمستنداته‏.‏
ويحدد رئيس اللجنة ميعادا لنظر الطلب يخطر به الأعضاء وله تكليف أي من طرفي النزاع بتقديم مايراه لازما من الإيضاحات والمستندات قبل الميعاد المحدد لنظر الطلب ولكل من طرفي النزاع أن يحضر أمام اللجنة بشخصه أو بوكيل عنه لتقديم دفاعه وبطبيعة الحال فإنه يمكن حضور أحد أعضاء هيئة قضايا الدولة نيابة عن الشخص الاعتباري العام وكذلك حضور محام نيابة عن الطرف الآخر‏.‏

وتنظر اللجنة طلب التوفيق دون تقيد بالإجراءات والمواعيد المنصوص عليها في قانون المرافعات ويعد ذلك من قبيل تيسير الإجراءات أمام اللجنة إلا أنها تتقيد بالضمانات والمباديء الأساسية للتقاضي ومن أمثلة ذلك وجود سبب عدم صلاحية لدي رئيس اللجنة لنظر الطلب أو سبب لرده أو تنحيه‏.‏
ويشترط لصحة إنعقاد اللجنة حضور جميع الأعضاء وتصدر قراراتها بالأغلبية فإذا تساوت الأصوات رجح جانب الرئيس ويجوز للجنة أن تستعين بمن تراه من ذوي الخبرة ويجب أن تصدر اللجنة قرارها في المنازعات خلال ستين يوما من تاريخ تقديم الطلب إليها‏.‏ وتصدر اللجنة توصياتها في المنازعة مع إشارة موجزة لأسبابها تثبت بمحضرها وذلك في ميعاد لا يجاوز ستين يوما من تاريخ تقديم الطلب إليها وتعرض التوصية خلال سبعة أيام من تاريخ صدورها علي السلطة المختصة والطرف الآخر في النزاع فإذا إعتمدتها السلطة المختصة وقبلها الطرف الآخر كتابة خلال الخمسة عشر يوما التالية لحصول العرض قررت اللجنة إثبات ماتم الاتفاق عليه في محضر يوقع من الطرفين ويلحق بمحضرها وتكون له قوة السند التنفيذي ويبلغ الي السلطة المختصة لتنفيذه‏,‏ أما إن لم يقبل أحد طرفي النزاع توصية اللجنة خلال المدة المشار إليها أو إذا إنقضت هذه المدة دون أن يبدي الطرفان أو أحدهما رأيه بالقبول أو الرفض فإنه يكون لكل من طرفي النزاع اللجوء الي المحكمة المختصة ومؤدي ذلك أن قرار اللجنة ليس إلزاميا لطرفي النزاع وإنما يتعين عليهما قبوله حتي يكون نافذا فإذا رفضه كلاهما أو أي منهما فإن لكل منهما اللجوء للقضاء‏.‏

وأما الحالة الثانية التي تبيح لأي من طرفي النزاع اللجوء للقضاء فهي مضي ستين يوما علي تقديم طلب التوفيق دون أن تبت اللجنة فيه والقصد من ذلك حث اللجنة علي سرعة الفصل في الطلبات حتي لا تتراكم أسوة بما هو الحال أمام المحاكم‏.‏
وفي حالة رفع دعوي أمام المحكمة سبق أن نظرت لجنة التوفيق ذات النزاع فإن قلم كتاب المحكمة يتولي ضم ملف التوفيق إلي ملف الدعوي‏.‏

ولإلزام أصحاب الشأن باللجوء إلي لجنة التوفيق إبتداء فقد نص القانون علي عدم سماع الدعوي أمام المحاكم بشأن المنازعات الخاضعة لهذا القانون إلا بعد تقديم طلب التوفيق للجنة المختصة وفوات الميعاد لإصدار التوصية أو الميعاد المقرر لعرضها دون قبول علي أنه يستثني من ذلك المسائل التي يختص بها القضاء المستعجل ومنازعات التنفيذ والطلبات الخاصة بالأوامر علي العرائض والطلبات الخاصة بأوامر الأداء وطلبات إلغاء القرارات الإدارية المقترنة بطلبات وقف التنفيذ‏.‏
وحرصا من المشروع علي إعطاء فرصة لذوي الشأن الذين لهم دعاوي منظورة أمام المحاكم قبل العمل بقانون لجان التوفيق فقد نص القانون علي أنه فيما عدا الدعاوي التي أقفل فيها باب المرافعة فإنه يجوز لأي من الطرفين في هذه الدعاوي أن يطلب من المحكمة التي تنظر الدعوي وفي أية حالة كانت عليها وقف السير فيها لتقدم طلب التوفيق فإذا قبل الطرف الآخر أمرت المحكمة بوقف السير في الدعوي لمدة تسعين يوما وإحالتها الي اللجنة مباشرة وحددت ميعادا لاستئناف السير فيها غايته الثلاثون يوما التالية لإنتهاء مدة الوقف وإذا قدم للمحكمة مايثبت حصول التوفيق في النزاع موضوع الدعوي حكمت بانتهاء الخصومة فيها‏.‏

وقد خول القانون وزير العدل إصدار القرارات التنفيذية له‏.‏
وأصدر وزير العدل القرار رقم‏(4598)‏ لسنة‏2000‏ بتشكيل هذه اللجان وتعيين مقار عملها‏.‏
ولا يسعنا إلا أن ندعو الله سبحانه وتعالي أن يوفق لجان توفيق المنازعات في عملها الذي يبدأ في أول أكتوبر‏2000.‏ إنه نعم المولي ونعم النصير‏.‏

 

 




عدد مرات المشاهدة:406
حقوق الملكية الفكرية محفوظة لمركز المعلومات القضائي